التقوى
الحمد لله حمدا كثيرا والصلاة والسلام على المبعوث للعالمين بشيرا ونذيرا، أما بعد فإن التقوى صفة عظيمة عامة تشتمل صفات المؤمنين وهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].
قال الفيروزآبادي: "لو كانت في العالم خَصْلةٌ هي أَصلح للعبد، وأَجمع للخير، وأَعظم للأَجر، وأَجَلّ في العُبوديّة، وأَعظم في القدر، وأَوْلى في الحال، وأَنجح وفى المآل من هذه الخَصْلة، لكان الله - سبحانه - أَمر بها عباده، وأَوصى خواصّه بذلك؛ لكمال حكمته ورحمته. فلمّا أَوصى بهذه الخَصْلة الواحدة جميعَ الأَوّلين والآخرين من عباده، واقتصر عليها، علمنا أَنَّها الغاية الَّتي لا متجاوَز عنها، ولا مقتصر دونها، وأَنه عز وجل قد جمع كلّ محض نُصْح، ودلالة، وإِرشاد، وسُنَّة، وتأْديب، وتعليم، وتهذيب في هذه الوصيّة الواحدة" ([1]).
وهي كذلك وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في مسند أحمد (17275) وصححه الترمذي من حديث العرباض رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أوصيكم بتقوى الله).
وقد ورد أصل التقوى في القرآن أكثر من 200 مرة، وهذه الكثرة في الذكر تدل على عظم منزلة المذكور.
وفيما يأتي بيان معنى التقوى وفضائلها وحكمها وكيفية الاتصاف بها.
- تعريف التقوى
التقوى لغة من الوقاية وهي الحماية، ومن ذلك قول المؤمنين {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)} [الطور]، وكذلك قولهم {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)] [البقرة].
واصطلاحاً: هي الأخذ بأسباب فلاح الدنيا والآخرة.
وهذا التعريف مأخوذ من عدد من النصوص الشرعية وكلام عدد من العلماء.
أما النصوص فمن ذلك قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)} [البقرة] فجعل التقوى سبيل الفلاح، وقوله صلى الله عليه وسلم (اتقوا النار والو بشق تمرة) [متفق عليه] ففي الحديث أن التقوى ليست بمجرد الترك بل بالفعل والترك.
قال ابن تيمية: "التقوى: هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه" [مجموع الفتاوى: 10/ 144]
وقال ابن كثير في تعريف التقوى: "اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات" [تفسيره: 1\492]
- حكم التقوى:
"التقوى واجبة على الخلق وقد أمر الله بها ووصَّى بها في غير موضع" ([2])، ومن ذلك قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1] فهذا أمرٌ بالتقوى للناس كافة مؤمنهم وكافرهم. وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] خاصًا المؤمنين في هذا النص بالتقوى التي يستحقها سبحانه كما أشار إلى ذلك جل وعلا عن نفسه بأنه {أَهْلُ التَّقْوَى} [المدثر: 56] أي أحق بأن يتقى، وتحقيق التقوى على المسلم يكون بكل ما أوتي من استطاعة كما قال تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
وجعل سبحانه تحقيق التقوى من شروط الإيمان كما قال سبحانه {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)} [المائدة]، وهذا بحسب حال الشخص فقد يكون المعنى شرطاً لكمال الإيمان إن توفر أصل التقوى في المؤمن مع تقصيره في فروعه، وقد تكون التقوى شرطًا لأصل الإيمان، وعلى هذا المعنى قيل "لا إيمان لمن لا تقوى له" ([3]) وقال ابن القيم: "انتفاءُ الإيمان عند انتفاء الخوف: انتفاءٌ للمشروط عند انتفاءِ شرطه"([4]).
وجاء في السنة أيضًا الأمر بالتقوى كما في مسند أحمد ([5]) وصححه الترمذي من حديث أم الـحُصَيْن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أيها الناس اتقوا الله).
وكان الأنبياء يأمرون أقوامهم بالتقوى كما تكرر على لسان أكثر من رسول يقول لقومه {أَلَا تَتَّقُونَ (106)} [الشعراء]، {أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)} [الأعراف]. وأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتعاون لتحقيق التقوى كما قال تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
- فضائل التقوى:
للتقوى فضائل عدة منها:
أولاً: أن الله تعالى يحب المتقين،
كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)} [التوبة]
ثانياً: أن التقوى خير لباس وزاد لفلاح الدارين،
قال تعالى {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]
وقال تعالى وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]
ثالثًا: أن المتقين لهم العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة:
قال تعالى {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)} [الأعراف]، وقال تعالى {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء: 77]، وقال تعالى {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)} [الزخرف]، وقال تعالى {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)} [الزمر]، وقال تعالى {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} [الزمر: 73]، وقال تعالى {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17)} [الطور].
رابعاً: أن التقوى سبيل الرحمة:
قال تعالى {وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)} [الأنعام]، وقال تعالى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156]
خامسًا: أن التقوى من أسباب الرزق وتفريج الكربات وتيسير الأمور:
قال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق]
وقال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)} [الطلاق]
سادساً: أن التقوى من أسباب رفع الدرجات ومغفرة الخطيئات:
قال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)} [الطلاق]
سابعاً: أن التقوى صفة للأنبياء ومن تبعهم بإحسان:
امتدح الله تعالى نبيه يحيى عليه السلام لتقواه فقال تعالى عنه {وَكَانَ تَقِيًّا (13)} [مريم]
وفي مسلم (7003) من حديث ابن مسعود رضي الله عن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه أن يقول «اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى».
وعدم الاتصاف بالتقوى صفة للكفار والمنافقين كما وصفهم الله بقوله أنهم {لَا يَتَّقُونَ (56)} [الأنفال].
ثامنًا: أن التقوى معيار الكرامة عند الله:
قال تعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]
وجاء في مسند أحمد ([6]) وصححه الوادعي عن النبي صلى الله عليهم أنه قال: (يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى).
تاسعاً: أن الله مع المتقين بتوفيقه وولايته:
قال تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)} [التوبة]، وقال تعالى {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)} [الجاثية]
وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)} [الأنفال]
وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)} [الأعراف]
عاشراً: أن التقوى سبب قبول العمل
قال تعالى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)} [البقرة]
- كيفية الاتصاف بالتقوى:
بعد أن مررنا على معنى التقوى وحكمه وبعض فضائله، فيحسن الآن قبل الختام أن تتبين بعض الأمور المعينة على الاتصاف بالتقوى. ومنها دعاء الله تعالى، وصحبة الصالحين، وفهم التقوى بمعناها الشامل وتطبيقها بمعناها العام المستوعب للأفعال والأقوال والتروك، في العبادات أو المعاملات العادات.
وعلى سبيل المثال، فإنه من التقوى في حق الجسد أن يحافظ عليه بأسباب الصحة كالرياضة والطعام الصحي والنفسية السوية، لأنه كما قيل: "الوقاية خير من العلاج". ومن التقوى في العلم أن تراعى مصادره وأن يعطى حقه بالمذاكرة، وإذا كان على المتعلم اختبار فمن التقوى أن يعد العدة لذلك الاختبار، إذا كان الانسان مقبلا على زواج فمن التقوى أن يحذر ويحسن الاختيار ولا يتعجل بأي شخص ولا يتردد دون اعتبار عندما يجد.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتقين ويحشرنا في زمرة النبيين في جنات النعيم.
([1]) بصائر ذوي التمييز: 2\116
([2]) ابن تيمية، شرح عمدة الفقه: 5\362
([3]) إعجاز القرآن، الرافعي: 73
([4]) طريق الهجرتين: 282
([5]) (27811)
([6]) 23885
.png)
0 تعليقات