الموت


 

الحمد لله الحي الذي لا يموت، والصلاة والسلام على من تمثل محاسن النعوت، أما بعد، فهذا مقال عن الموت: معناه وشيء من أوصافه وتذكير به قبل أن نصل إليه.

  • معنى الموت:
الموت لغةً: السكون وذهاب القوة ([1]) . واصطلاحاً: خروج الروح من الجسد.
  • حادثة مصيرية متكررة تصيب الجميع:
الموت حادثة متكررة في حياتنا اليومية، وبحسب إحدى الإحصائيات العالمية الحديثة أن كل ثانية يموت فيها شخصان ([2])، وهذا من غير حساب أوضاع الحروب.
وكذلك الموت حادثة غريبة عجيبة غير مخصوصة بسنٍّ أو حالة شخصية أو اجتماعية أو مالية أو صحية، بل تشمل الشاب والمسن والغني والفقير والصغير والكبير والصحيح والمريض. والجميع يقفون منها موقف الضعف البشري، فلا حيلة ولا سيلة ولا شفاعة ولا تأجيلا، قال تعالى {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)} [النحل].
إنها الحقيقة المحسومة بالأجل المعلوم والإذن المقدور من رب العالمين، كما قال تعالى {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145].
إنها المرحلة التي لا بد لكل أحد وأن يصل إليها ويمر فيها يومًا ما، كما قال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)} [آل عمران]. فوقوع الموت حتمي للإنس وغيرهم كما قال تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)} [الرحمن]، وهو واقع ولو تحصن منه من تحصن، قال تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء]، وقال تعالى للذين يتهربون ويفرون من الموت {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)} [الجمعة]، ومهما اهتم البعض بمضادات الشيخوخة ولو افترض أنها تفيدهم فإنهم لا محالة سيقابلون الموت إما بموتهم أو بفناء الكون، كما هو مقرر شرعاً وبالعلم التجريبي ([3]). فالموت لا دافع له كما يفيده قوله تعالى {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)} [آل عمران]، وقوله تعالى {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 16].
وزمن أو مكان حصول الموت غير معلوم مسبقا للإنسان، قال تعالى {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
وبما أن الموت أصاب خيرَ البرية ﷺ، فلأن يصيب غيره من بابٍ أولى، قال تعالى لنبيه {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)} [الزمر]، وقال في سؤال استنكاري على من يستنكر أو لا يستحضر هذه الحقيقة {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)} [الأنبياء]؟!
  • اعمل لـما بعد الموت:
بما أن الأمر كذلك، فاعمل يا ابن آدم لما عبد الموت، لأنه مرحلة مصيرية إما إلى تحرير أو تقرير، قال ﷺ (كل الناس يغدو، ‌فبائع ‌نفسه، فمعتقها أو موبقها) ([4]) فبالموت إما تحرير من ضيق هذه الدنيا في عمرها ونعيمها وما يعتريها من مصائب إلى سعة الآخرة في أبديتها وكمال نعيمها وحسن جوارها إلى رب البرية، وإما إلى تقرير على المعاصي والآثام وانتقال إلى العذاب والنار والحطام.
فالموت أمر بالغ الخطورة إن لم يعط حقه، إذ أن ما بعده متأثر بما قبله، فكل لحظة يعيشها الإنسان محسوبة له أو عليه. وإذا تأملنا وجدنا أن العام الواحد فيه ملايين اللحظات، فليحذر الإنسان من مرور وقته بما يضره وليحافظ عليه وليستثمره بكل جميل يعود عليه بنفع الدنيا والآخرة؛ لأنه بمجرد موته لن يستطيع أن يعمل كما قال تعالى عن بعضهم {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} [المؤمنون]. فبالموت ينقطع العمل، ولكن الحريص من يجعل آثارًا تبقى مستمرة بعده تدر له من الصالحات، كما قال تعالى {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)} [الكهف]، وقال ﷺ (‌إذا ‌مات ‌الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [متفق عليه]. ومن السيء والمؤسف أن يترك الإنسان بعده آثار سيئة تزيد من سيئاته بعد موته، كما يشير إليه قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)} [يس].
  • الموت.. دروس وعبر:
الموت فيه دروس عديدة، فيها لبعض الناس ألم رهيب وفقد وأليم، ولبعضهم موعظة كبيرة وتسليم لرب البرية وتذكير بسنته تعالى في هذه الحياة الدنية. ومهما علت مرتبة الإنسان فلا يجوز التعلق الشركي به أو اليأس والقنوط بعد موته أو التردي عن العمل الصالح بسبب فقده، قال تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)} [آل عمران]. فإذا كان التحذير من ذلك على موت خير البرية ﷺ، فغيره من باب أولى سواء كان أبًا أو أمًا أو زوجًا أو زوجة أو ولدًا أو غير ذلك، قال ﷺ: (ثنتان هما بالناس ‌كفر: نياحة على ‌الميت، وطعن في النسب) [مسلم: 139]. فمن غير صفات المؤمن أن يصاب بالوهن لموت أحد أو يراجع القدر بــ (لو) التحسرية، لأن ذلك من صفات الكفار، كما قال الله عن بعضهم عندما تحسروا على موت بعضهم بقولهم {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا} [آل عمران: 156]. والمقصود أن:
الحياة لن تقف على موت أحد، وكل سائر إلى ربه وملاقيه، وإنما الملامة على الحي الذي لا يجهز نفسه لما بعد الموت.
  • لحظات الخروج:
لا يستطيع أحد أن يعلم قطعًا كيف ستكون اللحظات الأخيرة التي يخرج من هذه الدنيا، ولكن العاقل يطلب من الله ويعمل لخاتمة حسنة. قال تعالى عن حالات احتضار الصالحين {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)} [فصلت]، وقال سبحانه عن الظالمين {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)} [الأنعام].

وقال النبي ﷺ أنه قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح، وريحان، ورب غير غضبان» قال: «فلا يزال يقال ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقولون: مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح، وريحان، ورب غير غضبان».
قال: «فلا يزال يقال لها حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل، وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له: مثل ما قيل له في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء، فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول» ([5]).
ومما يتعلق بلحظات الخروج أن يوصي الإنسان قبل موته إن كان له أو عليه حق عند غيره، وهذا من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قال تعالى عن إبراهيم وبنيه في وصيتهم بالإسلام {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)} [البقرة].
  • الموت بداية حياة إما أفضل أو أقبح:
قال تعالى {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)} [آل عمران] فبموت المؤمن ينتقل إلى خير مما يجمع أهل الدنيا، وهذا أحد أسباب قول عدد من أهل العلم باستحباب حب الموت للمؤمن، قال السمعاني: "يستحب للمؤمن حب الموت؛ لأنه به يستخلص من الأوزار، ويصل إلى محبوبه إن قُدِّر له خير. وعن بعض السلف: لا يَكره الموت إلا مريب" ([6]).
وليس المقصود بحب الموت أن يقبل إليه قبل وقته، فأنه لم يخلق ليموت، بل الموت يأتي بأجله. قال ﷺ: «لا يتمنين أحدكم ‌الموت، إما محسن، فلعله يزداد خيرا، وإما مسيء لعله يستعتب» ([7]).
وأما الكافر فمآله النار خالدًا فيها إلى أبد الآبدين إن مات على الكفر وبلغته الدعوة أو كان قادراً على بلوغها وأعرض قصدًا، قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)} [آل عمران]، وأما إن مات ولم تبلغه الدعوة أو بلغته ولم يستوف شروط أهلية الخطاب أو وقع تحت موانع: فمآله إلى الله، قال تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء]، وقال {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)} [الأنعام].
  • ختاماً:
قال تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} [البقرة]
وقال ﷺ: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» [متفق عليه]


([1]) المعجم الاشتقاقي: 4\2021، مقاييس اللغة: 5\283
([4]) [ابن ماجة: 280، وصححه ابن حبان].
([5]) أخرجه أحمد (8754)، وصححه ابن خزيمة.
([6]) تفسير القرآن: 5/ 241
([7]) البخاري (5673)

إرسال تعليق

0 تعليقات